الشيخ عبد الغني النابلسي

206

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

للمفعول في كلام اللّه تعالى عن هذا المقام الذي هو مرجع الكل إلى السعادة المختلفة بأن الرحمة الإلهية وسعت كل شيء ، قال اللّه تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ، فكل شيء ظهر منها ويرجع إليها ، ولهذا تسعه ولا تضيق عنه وأنها ، أي الرحمة سبقت الغضب الإلهي كما ورد في الحديث « أن رحمتي سبقت غضبي » . أخرجه البخاري « 1 » في رواية له ولمسلم : « إن رحمتي تغلب غضبي » « 2 » . وفي رواية للبخاري « 3 » : « غلبت غضبي » . وفي رواية لمسلم « 4 » : « سبقت رحمتي غضبي » وكان ذلك ، لأنها الأصل والغضب طارىء عليها باعتبار تقدير المخالفة والمعصية المقتضية له ، فإذا رجعت الأمور إلى أصولها وجدت الرحمة ووسعت المخالفة والمعصية فأوجدتها ، ووسعت العقوبة في الآخرة والعذاب والنار فأوجدت ذلك ، فغلب حكمها مع بقاء النار وجميع ما فيها من أنواع العقوبات ، فيظهر أن الغضب نوع من الرحمة ، ويتبين عند ذلك كون الرحمة سابقة الغضب ، ويزول من الأفهام القاصرة مقابلة الغضب للرحمة وكونها نقيضها ، ويعود نوعا منها وهو عينها مع بقاء عينه . * * * والسّابق متقدّم ، فإذا لحقه هذا الّذي حكم عليه المتأخّر حكم عليه المتقدّم فنالته الرّحمة إذ لم يكن غيرها سبق . فهذا معنى سبقت رحمته غضبه . لتحكم على ما وصل إليها فإنّها في الغاية وقفت . والكلّ سالك إلى الغاية . فلا بدّ من الوصول إليها ، فلا بدّ من الوصول إلى الرّحمة ومفارقة الغضب . فيكون الحكم لها في كلّ واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها .

--> ( 1 ) في صحيحه في أبواب عدة منها : باب وكان عرشه على الماء . . ، حديث رقم ( 6986 ) [ 6 / 2700 ] ورواه النسائي في السنن الكبرى ، الرحمة والغضب ، حديث رقم ( 7751 ) [ 4 / 417 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) صحيح مسلم ، باب في سعة رحمة اللّه تعالى . . ، حديث رقم ( 2751 ) [ 4 / 2107 ] ورواه الترمذي في سننه ، باب خلق اللّه مائة رحمة ، حديث رقم ( 3543 ) [ 5 / 549 ] ورواه غيرهما . ( 3 ) في صحيحه ، باب ما جاء في قول اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ [ الرّوم : 27 ] . . » حديث رقم ( 3022 ) [ 3 / 1166 ] . ( 4 ) رواية مسلم هي : « إن رحمتي تغلب غضبي » . وقد سبق تخريجها .